تسرد بثينة فخرو رحلتها الفنية الممتدة منذ سبعينيات القرن
الماضي، والتي شهدت مع بداية الثمانينيات انعطافة جوهرية. فباستقرارها في
بريطانيا أقبلت تنهل من بيئة فنية وتعليمية غنية، قادتها إلى ضرورة الدراسة
الأكاديمية الفنية، وهكذا التحقت بجامعة ويلز بالمملكة المتحدة وفيها
تخرجت قبل أكثر من عقدين ونصف عقد من الزمان. وتلا ذلك مشاركات في معارض
فنية، وانخرطت أيضا في برامج تعليمية جديدة لتكملة مخططها الفني قبل
استقرارها النهائي في البحرين. ومن بريطانيا أيضاً انطلق أول معارضها
الفردية عن الأختام الدلمونية، والذي جال بعواصم الخليج: الكويت والدوحة
ومسقط والرياض، وانتهى باليونسكو في باريس.
وشهد متحف البحرين الوطني ثاني معرض فني لها في عام 2000
برعاية سعادة وزير الإعلام السابق الأستاذ محمد المطوع. ولقد أسهم هذا
المعرض في نشر الوعي عن تلك الأختام وثرائها الفني. واستلهمت بعد معرضها
هذا بعض بيوت المجوهرات البحرينية أطيافا من هذه الرسوم والتشكيلات
الرفيعة، وحولتها إلى تصاميم فنية اقتناها بحرينيون عديدون تفاوتت
اهتماماتهم وقدراتهم المادية. واستعمل الصاغة في صناعة تلك التصاميم الذهب البحريني المعروف بجودته. وظهرت أنماطا على عقود وأساور جميلة. وباختصار لعب المعرض دورا في نقل تلك الاختام من أدراج الحفظ والخزائن الزجاجية إلى
الوعي العام ومواقع التذوق الاجتماعي.
وكرَّست معرضها الثالث الذي افتتح في ربيع عام 2004 ليحكي قصة
أحد المبرزين من أبناء الجزر والذي نقش اسمه في صفحة تاريخها الحديث
بإصداره جريدة «البحرين» ما بين عام 1939 و1944م. وحمل المعرض عنوان
«عبدالله الزايد: نوافذه، نوافذنا»، وأقيم برعاية كريمة من صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة جلالة الملك رئيسة المجلس
الأعلى للمرأة. أرادت بثينة أن تسلط الضوء فنيا على قصائده الشعرية ونبوغه
المبكر في الشعر وكتاباته الأدبية. وتضيف بثينة أنه قد غادر حياتنا سريعا
ولم يعلم بفوز قصيدته الشعرية بالجائزة الثانية في مسابقة هيئة الاذاعة البريطانية في عام 1944. وترافق معرضها الثالث مع مبادرة كريمة لمعالي
الشيخة مي بنت إبراهيم آل خليفة في إنشاء بيت للصحافة، هو بيت عبدالله
الزايد لتراث البحرين الصحفي؛ ليسهم في حفظ إرث صحفي كبير للبحرين.
وتناول معرضها الرابع في مارس عام 2008 أمرا بحرينيا آخر؛ إذ
جرى التركيز على جماليات حرفة بحرينية مميزة وقديمة تتلاشى بفعل متغيرات
العصر، وهي صناعة الكورار. ويستخدم العاملون بها خيوط الذهب لعمل شرائط
تزين الثياب النسائية التقليدية في البحرين والخليج. وترافق هذا مع مبادرة
كريمة لصاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة لرعاية هذه
الحرفة لحفظها من الاندثار، وتبني خطوات من بينها دعم استملاك مركز الشيخ
إبراهيم بن محمد آل خليفة الثقافي لأحد المنازل التراثية في المحرق ليحتضن
تلك الحرفة، وأصبح للكورار بيت. وحمل المعرض اسم «العزف على الكورار»، وانطلق أيضا بين ردهات قاعة المتحف الوطني.
ويولد اليوم معرضها الفني الخامس ليحتفي بخطوة مهمة في مسيرة البحرين الحديثة، وهي إنشاء مدرسة الهداية الخليفية في عام 1919م. وكلها
رجاء أن يحالفها التوفيق، وأن تكون قد عبرت عن مشاعر فخر وامتنان تنبث وسط
البحرينيين إزاء الهداية ورجالها المؤسسين. ويبقى الأمر كله ليشكل تجربة
فنية، ومحاولة جديدة لاستكشاف تخوم إبداعية غير مطروقة.
وتختم بثينة بالقول إنها ودت في معرضها هذا سرد بعض حكاية
مدرسة الهداية الخليفية العتيقة، وتدوين جزء من سير رجال من بلدي. وأنها لطالما اعتبرت الفن بالنسبة إليها رسالة تتضمن مواضيع ورؤية وأفكارا. وقد
حرصت على ذلك في معارضها الفنية السابقة من خلال سرد حكاية ما عبر فكرة
فنية مبتكرة.
ومقارنة بمن يدوّن تاريخا لأمته كتابةً، أرادت أن تسجل
التاريخ بأدوات فنية تتواصل بصريا. وبدلاً من استخدام النص، مالت للصورة
والشكل والكتلة واللون، واستعملت القلم الرصاص والفحم والألوان الجافة منها
والندية. ولربما يساعد هذا التعبير البصري في مخاطبة جمهور أوسع ويتيح
رؤية الموضوع بمنظور مختلف. ولقد قَصَدَت بهذا التوضيح أن يتم الاحتفاء ببحرينيين رحلوا عن عالمنا وبقيت أعمالهم حية بيننا تستثير الأعجاب وتستحث المقاربة وتلهم العطاء والإبداع، وبهم يجد التكوين التشكيلي ذاته،
وبتكريمهم يفتق قدراته التعبيرية، ويحوِّم على تخوم المستقبل والتجديد على
الدوام.
Comments
Post a Comment